محمد أبو زهرة

284

المعجزة الكبرى القرآن

الخلق والإيجاد ، وما ينجم عنهما من وحدة المعبود بحق ، فإنك واجد علما كثيرا ، يساير العقل ، ولا يعانده ، لأنه الفطرة المستقيمة التي لم تفسدها نظرية السببية في المنشئ التي أخذوها من السببية في الأمور العادية ، وفرق بين واجب الوجود الذي أنشأ الكون ودبره ، وهو القيوم القائم عليه الذي قدر كل شئ تقديرا ، وبين توالد الأحداث ، وهي لا تكون بغير تقديره وتدبيره سبحانه وتعالى ، إنه فعال لما يريد . 164 - وفي القرآن علم الرسالة الإلهية ، والمعجزات التي اقترنت بها ، فهو يبين أن اللّه سبحانه وتعالى خلق الخلق ، وخص العالم الإنسانى بالرسل يرسلهم إليه ، ليسير الناس في الصلاح بدل أن يسيروا في الفساد ، وليكونوا في مودة وسلام بدل أن يكونوا في حرب وخصام ، وليصلوا ما أمر اللّه به أن يوصل ، لأن اللّه تعالى الذي خلق الإنسان جعله إما شاكرا وإما كفورا ، فهيأ للشاكر أسباب شكره ، وجعل الكفور مسؤولا عن فعله بعد إنذار المنذر وتبشير المبشر ، كما قال تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] وكما قال تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [ فاطر : 24 ] فما كانت هذه الرسالات الإلهية إلا لتهدى الناس إلى خير الطرق ، ومن يكفر فإنما يكون عن بينة لئلا يكون للناس على اللّه حجة . والقرآن الكريم يبين أن الرسل يكونون من البشر ، ومن أقوامهم ليكونوا أكثر إلفا ، وعندهم علم بهم . كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [ إبراهيم : 4 ] وقومه هم دعامته الأولى ، فهم الذين يكونون القوة الأولى لدعوته ويكون منهم الحواريون الذين يناصرونه ، ويرعونه حق رعايته . وعندما طلب المشركون أن يكون الرسول ملكا ، رد اللّه سبحانه وتعالى عليهم بقوله تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) [ الأنعام : 8 ، 9 ] . وأن اللّه تعالى صرح بأن الرسالة للرسل لكي يقوم الناس بالحق والميزان ، فقد قال تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 ) [ الحديد : 25 ] . وفي هذا النص الكريم ، يبين اللّه سبحانه وتعالى أن الرسل جاءوا بالكتاب من عنده سبحانه ليقوم الناس بالقسط ، ومن لم يقنعه الدليل ، ولم يهتد بهداية الرحمن ، وبمقتضى الفطرة المستقيمة ، والإدراك السليم ، فإن الحديد فيه بأس شديد يقمعه من الشر ، ويبعد عن الناس فساده ، وإفساده .